اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
199
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
ثم شرح كل مثال واختصر ولم يذكر الأسباب المفيدة ولا أوضح الأمور النافعة في التفصيل والترتيب وترك كثيرا من أمّهات المدن فلم يذكرها وما دوّخ البلدان ولا وطئ الأعمال ألا ترى أن صاحب خراسان استدعاه إلى حضرته ليستعين به فلما بلع جيجون كتب إليه إن كنت استدعيتنى لما بلغك من صائب رأيي فإن رأيي يمنعني من عبور هذا النهر ، فلما قرأ كتابه أمره بالخروج إلى بلخ » 4 . ومن العسير بالطبع استخلاص أية تفصيلات من مثل هذا التحليل الموجز ؛ ويمكن فقط الإحاطة قليلا أو كثيرا بالشكل العام لكتاب البلخي من خلال التعديلات المتأخرة التي أدخلت عليه والتي يكتنف تاريخها غموض شديد . ومن الملاحظات التي أبداها المقدسي في مواضع أخرى يمكن الوصول إلى أن أصل كتاب البلخي كان نادرا حتى في عصره 5 ؛ وعلى الرغم من معرفة ياقوت بوجوده إلا أنه يقتصر على الإشارة إلى الإصطخرى وحده تقريبا ، ولعله قد وجدت في يده مسودة واحدة للكتاب 6 فاعتبر أجزاء متفرقة منها فقط قديمة وترجع إلى البلخي . وقد ثبت بعد الفحص الدقيق أن بعض المخطوطات التي نسبت في فهارس المخطوطات أو حتى في الأصل إلى البلخي إنما تمثل في الحقيقة مسودات لمصنف الإصطخرى أو ابن حوقل 7 . وتوجد مادة غزيرة في متناول اليد للحكم على المصنفين الأخيرين . فإلى جانب المخطوطات الفريدة التي اعتمد عليها دى خويه في إعداد طبعته فقد شهدت الأعوام الأخيرة الكشف على ما لا يقل عن اثنتي عشرة مخطوطة 8 باستنبول وحدها ، بعضها قديم جدا ؛ وكلها توكد ازدياد الحاجة إلى طبعة جديدة للأجزاء الأولى من « مكتبة الجغرافيين العرب » . وعلى النقيض من وفرة المادة فيما يتعلق بالمخطوطات فإن معلوماتنا عن المؤلفين لا تزال شحيحة كما كان عليه الحال من قبل ، وعلى أية حال فأقل كثيرا مما هو الشأن مع البلخي . هذا ويمكن أن نستنبط من اسم الأول منهما وهو أبو إسحق الفارسي الإصطخرى أنه من إيران الوسطى ؛ ويتضح من مطالعة كتابه - - أنه قد سافر كثيرا فزار بلاد ما وراء النهر وإيران وجزيرة العرب والشام ومصر . وقد عنون كتابه على الطريقة القديمة « كتاب المسالك والممالك » وأنهى أول مسودة له وأبو زيد البلخي على قيد الحياة وذلك حوالي عام 318 ه - 321 ه - 930 - 933 ، غير أن كتابه قد انتشر في الشرق بوجه خاص على هيئة طوامير ترتفع إلى المسودة التي عملت حوالي عام 340 ه - 950 « * » . والإصطخرى كغيره من جغرافيى هذه المدرسة يقتصر على وصف العالم الإسلامي وحده مقسما إياه إلى عشربن إقليما ، لا بالمعنى المعروف لنا عن الأقاليم كأحزمة عريضة تضم عددا من درجات العرض ( Klimata ) ، بل كمناطق جغرافية واسعة أو ولايات ( Regions ) . ويلي الكلام العام عن « الربع المعمور » وأبعاده وعن البحار وصف جزيرة العرب وبحر فارس ( مع المحيط الهندي ) والمغرب ( مع
--> ( * ) ظهرت طبعة جديدة لكتاب الإصطخرى بالقاهرة منذ وقت قصير . ( المترجم )